الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

60

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقد بسطنا القول في معنى تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ في سورة الأنبياء [ 93 ] . والأمر هنا بمعنى الشأن والحال وما صدقه أمور دينهم . والزبر بضم الزاي وضم الموحدة كما قرأ به الجمهور جمع زبور وهو الكتاب . استعير اسم الكتاب للدين لأن شأن الدين أن يكون لأهله كتاب ، فيظهر أنها استعارة تهكمية إذ لم يكن لكل فريق كتاب ولكنهم اتخذوا لأنفسهم أديانا وعقائد لو سجلت لكانت زبرا . وقرأه أبو عمرو بخلاف عنه زُبُراً بضم الزاء وفتح الموحدة وهو جمع زبرة بمعنى قطعة . وجملة كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ تذييل لما قبله لأن التقطع يقتضي التحزب فذيل بأن كل فريق منهم فرح بدينه ، ففي الكلام صفة محذوفة ل حِزْبٍ ، أي كل حزب منهم ، بدلالة المقام . والفرح : شدة المسرة ، أي راضون جذلون بأنهم اتخذوا طريقتهم في الدين . والمعنى : أنهم فرحون بدينهم عن غير دليل ولا تبصر بل لمجرد العكوف على المعتاد . وذلك يومئ إليه لَدَيْهِمْ المقتضي أنه متقرر بينهم من قبل ، أي بالدين الذي هو لديهم فهم لا يرضون على من خالفهم ويعادونه ، وذلك يفضي إلى التفريق والتخاذل بين الأمة الواحدة وهو خلاف مراد اللّه ولذلك ذيل به قوله وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً [ المؤمنون : 52 ] . وقديما كان التحزب مسببا لسقوط الأديان والأمم وهو من دعوة الشيطان التي يلبس فيها الباطل في صورة الحق . والحزب : الجماعة المجتمعون على أمر من اعتقاد أو عمل ، أو المتفقون عليه . [ 54 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 54 ] فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 ) انتقال بالكلام إلى خطاب النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وضمير الجمع عائد إلى معروف من السياق وهم مشركو قريش فإنهم من جملة الأحزاب الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا ، أو هم عينهم : فمنهم من اتخذ إلهه العزى . ومنهم من اتخذ مناة ، ومنهم من اتخذ ذا الخلصة إلى غير ذلك . والكلام ظاهره المتاركة ، والمقصود منه الإملاء لهم وإنذارهم بما يستقبلهم من سوء